الإثنين 10 - 12 - 2018
الصفحة الرئيسية / أوراق ثقافية / واحة الأدب / قصة
دليل أطباء حلب
اسم الطبيب:
الاختصاص :  
العنوان :  
   

 

استعراض حسب الاختصاصات >>

دليل الامراض وأسباب الوفيات
كلمة البحث:
التصنيف :  
   

 


قصة

كانت كندة تـئد البنات, وكنت حرمة من الحرمات لا تنتهك. صاحبتي الحرمان من الزمان الحائر, فأصبحت حريمه من الحريم -"إذا الموءودة سئلت, بأي ذنب قتلت"- ثم تقوم مجموعة من المتمردات بحفر قبر كبير يتسع لوأد كل عصور الموءودات.
خرجت من باب حديدي كبير, أطلقت زفرة عميقة, تلتها راحة. خرجت.. مطلقة.. خائفة.. حيرى.. مهاجرة من دار فناء إلى دار بقاء, عبر نفق معدني أسطواني, أرتطم بجدرانه ولا أحس - بوابة الألم مغلقة – أنطلق بسرعة الصوت, يلفني ظلام دامس, بينما يشفطني إلى نهاية النفق بصيص نور, يتوهج تارة ويخبو أخرى - سأسقط - أغمضت عينيّ مستسلمة, وهويت.. من غيمة عالية إلى واد سحيق.
كلمتان من المحظر نطقهما في بيت أبي: الطلاق والعرق. توجهت إليه أنعي له الخبر. لا رعد.. لا برق.. لا عواصف. كان الطقس ربيعياً جميلاً دافئا. تلسعه باردةً نظرات مفترسة, تغلفني بالريبة, تجعل مني قوقعة, وتكاد تلتهمني. أما "لماذا" فتبدأ همساً.. ثم تثقب غشاء الطبلة في أذني ياللوحش الكاسر! لا أريد لأن أقع فريسة له, ومن يريد؟ ولا أستطيع اغتياله, هل لي بمن يستطيع؟ عليك ترويضه ومعايشته, إنه زمن الحوار والتعايش.
كان يوم زفافي مشهوداً, حسدني الجميع على العريس, وقرأت عمتي -التي فاتها القطار- كلَّ المعوذات مئات المرات. غنّى الأحبة كلهم, صفقوا وزغردوا, ورقصت حتى الثمالة...
كنا صغاراً, نلعب "الغميضة" نضع رباطاً حول العينين ونجري, نبحث عن الهدف عمياناً, ومن يجده يكون رابحاً. وأنا مربوطة العينين برباط سميك - مدفوعة - اخترت زوجي بملء إرادتي! وكنت رابحة. ترى هل أحببته أم أحبني؟ ربما دفع كل منا إلى الآخر. ومرت من عمر الزمان حقبة, ضاحكة الغصن, وردية القمر.

غياب السيد:
وكما قالت شهرزاد: جاء هدام اللذاتِ, لم يكن موتاً,كان غياباً للسيد.
سددت الأبواب, أغلقت النوافذ, أسدلت الستائر, ووقفت وراء القضبان.. حزينة.. معطلة.. مقيدة. جلست.. وضعت كفاً على خدٍ, وخداً على كفٍ, وقفت.. مشيت.. أحصي بلاطات الغرفة طولاً وعرضاً.. خمنت ارتفاع السقف.. وأعدت الكرات مراتٍ لا تحصى.. حياني الجميع! وأكبروا وفائي للسيد الغائب.
طال وقوفي, وطال انتظاري تواقة للاتصال بمدار الحركة المتجدد, للتحرك معه. وما أدركت من هذا الوفاء إلا امتناعي عن الحياة, وامتناع الحياة عني! وتبدو قضية البداية أصعب من قضية الانتظار.
فتحت النوافذ, فاستنشقت هواء نقياً. مزقت الستائر, فدخلت أشعة الشمس بنورها الباهر. أغمضت غينيّ ثم فتحتهما. تعطلت رؤيتي للأشياء, وأصابني التشويش, فانزويت في ركن الغرفة, أرتجف خائفة, وضربات قلبي الصاخبة تزيد من خوفي.
لمعَ بارقٌ في ذاكرتي - إن المارد لا يخيف إلا الخائف- فقمعت المارد,وقمت متعثرة.. أتحسس الأشياء من حولي وأدرك ماهيتها. فالمربع ليس إلا مساحة, والمكعب هو حجم يعتمد على طول الضلع.
في الليل وعبر قضبان نافذتي سكب القمر ضوءه في كأسي, وأمتعني شرابه.
وتتالت الأيام شمس وقمر, شروق وغروب, مد وجزر, وأسعدتني المعرفة المنشئة, فاتصلت بمدار الحركة المتجددة.
كسرت الأبواب المسدودة, وخرجت إلى أرض ترابية, كان أبي يزرعها بما يشاء وأشاء. ثم جاء زوجي, يزرعها ويسقيها بما يشاء ومتى يشاء. حملت الفأس, وحفرت عميقاً, تصبب العرق مدراراً, وسقى الأرض مشاركاً ماء الينبوع الذي تفجر تحت ضربات قدمي.
في غياب السيد.. أدخلت حماتي تلك الطيور مقصوصة الأجنحة إلى الأقفاص المذهبة. كان قص الأجنحة واحدة من مهام ابنها. كسرت الأقفاص, واستخدمت خشبها وقوداً لحفلة شواء.
صفقت الطيور بأجنحتها وطارت بعيداً, فغضبت منها وعضتني مرارة الغربة.
أورقت أشجاري, وتفتحت أزهاري, فعادت الطيور سعيدة, مكللة بالسلامة والأمان. فتصالحنا وتقاسمنا الرغيف والملح.. وشربت عصير فاكهة من صنع يدي من مهده حتى لحدة.
كبرت سنوات خلال أيام! بعيداً عن وصايا رجل محب.. وسقط غطاء العينين.

أخبار:
استدارت عيناي, وتقوس حاجباي, ثم شهقت شهقة وقلت: "متى كان الموت خياراً حراً لميت؟" عندما سمعت خبر امرأة هندية وأدت نفسها مع زوجها المتوفى, بكامل حريتها. لم أصدق.. قالوا: أرادت توازناً للعيش في هذا العالم وهو ضرورة وليس حاجة. فذكرت بطلة تحت التراب, وفوقه تكون منفية.
قالت ميسون: لمَ كتب علينا الوأد؟ أسمي الحياة عارية من الحب أو حلم به موتٌ. عشت مع السيد سنتين.. ورحل مودعاً بالإجلال والإكبار, مكفناً بالحب إلى العالم الآخر. وبعد مرور تسع سنوات على ذكراه, خيرت بين حبيب قادم أو أمومة دائمة. فوأدت قلبي وضممت ضناي إلى صدري.
أما هالة فقد روت حكايتها: بعد سنوات من الكد اشتريت بيتاً في العاصمة, كتب باسم المرحوم زوجي, لأن استثماره يحتاج لرجل يروح ويجيء ولن تذبح كرامة الزوج بمجالسة زوجه الرجال لتستثمر مالها - تابعت حابسة دمعة حارة - أما الآن أما الآن فثمنه لي وثلثه لوالدي زوجي والباقي لطفلي.

عودة السيد الغائب:
وكما قالت شهرزاد: جاء هادم اللذات, لم يكن موتاً, لقد عاد السيد الغائب.
زينت البيت الراقص المضاء بالزنبق الأبيض والغصينات الخضراء. عاد السيد غريباً.. الدار غير الدار.. وأنا لم أعد أنا.. راعه أن السباحة - في غيابه - كانت ممكنة والبحر هادئ, أما عند هياجه فركوب الموج كان رياضة متقنه. فغدوت كمن "بخل واستغنى, وكذب بالحسنى, فسنيسره للعسرى"
ترك طابور المهنئين بالسلامة, وبوجه خالي من التعابير, وصوت خالٍ من العاطفة, لم أسمع إلا صداه, أعطني مفتاحاً - آمراً – طلب مفتاح البهو المغلق, وإعداده ليكون جاهزاً لجلوسه مع فنجان قهوة على أصوله. البهو المغلق: بهو خاص, لا يفتح إلا بوجود السيد له فيه كرسي من المخمل الأحمر المطرز, مرتفع الجوانب, عمودي الظهر, حدوده مزخرفة بأطر ذهبية وفضية, ومحلاة بأحجار كريمة. يتدلى من السقف خيط, علق سيفٌ في نهايته, أهداه الجد لزوجي ليلة زفافه. بحذر شديد كنت أمر تحته ليلاً ونهاراً, منكمشة, مطأطئة الرأس, والقلب يخفق, والنبض صاخب, والوجه شاحب, والكف متعرق.
قدمت له فنجان القهوة منتصبة غير جافلة - فوقوع الباء خير من ترقبه - فامتزج النور بظلمة ليلاً وامتزجت الظلمة بالنور نهاراً وبدأت حرب مختلفة الأهداف في ساحة ضيقة. كان ينتظر فيها لحظة انتصار وكنت شاهرة حبي أنتظر فيها يوماً مشمساً في شتاء قاسٍ.
قدمت للسيد اللبن الرائب الذي كان تماماً كما يجب أن يكون! رآه أصفر, أما البارحة فكان لأسود, بينما كان أخضر منذ يومين, وغداً ... ربما يكون أبيض ولكن... ضارباً للحمرة. وفي كل مرة كنت مجرمة في محكمة السيد, أحتاج الوساطة ليصدر قرار عفوه.
وقف السيد حاجباً الضياء عني, قدم لي كأس لبن مغشوش, فشربتها, جاثية, باكية, راضية.
يبست أشجار حديقتنا, وماتت كل الأزهار, أعطيت المقص للسيد, وقص أجنحة الطيور. ذهبت لعيادة جراح التجميل – الذي عاد حديثاً من الغرب – وسألته: إن كان استئصال وتجميل الروح من اختصاصه. فأعطاني إحالة إلى مصح عقلي... مزقتها وعدت إلى البيت مهرولة. وجدت السيد واقفاً جانب قمقم, دعاني للدخول إليه مبتسماً. جفلت للدعوة – وللمرة الأولى – زعقت: لا .. عالياً, فحاول زجي داخله قسراً, قاومت.. وقاومت... تلقيت اللطمات مرفوعة الهامة, شاهرة مخالبي. درت مع الأشياء ودارت معي, تعالت الأصوات:
* رش وجهي بالماء.
* نشقها بعض الكحول.
* اقرصها بإيلام.

بسطت جناحي, وحلقت بجسارة فوق عصري أبي, وذهبت بعيداً. ارتحت نشوى بلا قيود, أحس بجزر الموت وتجدد الشباب. وسطع المستقبل في مرآتي بضوء خافت, خجول, فرح, بينما كنت أشهد كيف تقوم المتمردات بحفر قبر كبير, يتسع لوأد كل عصور الموءودات.